مصطفى لبيب عبد الغني

213

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ولا بد في أول الأمور المشوقة المعشوقة من فضل ميل إليها وإفراط في حبّها ولزومها وشنآن المخالفين فيها ، حتى إذا وغل فيها وقرّت الأمور به في قرارها سقط الإفراط فيها ورجع إلى الاعتدال ، كما يقال في المثل لكل جديد لذة . فهذه الأمور أشهر وأكثر لأنها أطرف وأعجب وأبعد من أحوال الناس ، والناس مولعون بإذاعة الخبر الطريف النادر والإضراب عن المألوف والمعتاد . فلسنا إذا بمخالفين للأمر الأحمد من سيرة سقراط وإن كنا مقصرين عنه في ذلك تقصيرا كثيرا ومقرين بالنقص عن استعمال السيرة العادلة وقمع الهوى ومحبة العلم والحرص عليه . فخلافنا إذا لسقراط ليس في كيفية السيرة بل في كميتها ، ولسنا بمنتقصين إن أقررنا بالنقص عنه إذ كان ذلك هو الحق ، وكان الإقرار بالحق أكثر شرفا وفضيلة . فهذا ما نقوله في هذا الموضع . وأما ما عابوه من سيرتى سقراط فإنا نقول : إن المعيب منها بحق أيضا كميتها لا كيفيتها إذ من البين أنه ليس الانهماك في الشهوات وإيثارها الأمر الأفضل الأشرف على ما بينا في كتابنا « في الطب الروحاني » لكن الأخذ من كل حاجة بمقدار ما لا بد منه أو بمقدار ما لا يجلب ألما ( يفضل ) على اللذة المصابة منها . وقد رجع سقراط عن المفرط منها الذي هو المعيب بالحقيقة والداعي إلى خراب العالم وبوار الناس ، إذ قد عاد إلى أن أنسل وحارب العدو وحضر مجالس اللهو . ومن فعل ذلك فقد خرج عن أن يكون ساعيا في خراب الدنيا وبوار الناس ، وليس يجب أن لا يكون كذلك حتى يكون مغرقا في الشهوات . ونحن وإن كنا غير مستحقين لاسم الفلسفة بالإضافة إلى سقراط فإنا مستحقون لاسمها بالإضافة إلى الناس غير المتفلسفين . وإذا قد جرى في هذا المعنى ما جرى فلنتم القول في السيرة الفلسفية لينتفع بها محبو العلم ومؤثروه . فنقول : إنّا نحتاج أن نبنى أمرنا فيما هو غرضنا المقصود في هذه المقالة على أصول قد تقدم بياننا لها في كتب أخر لا بد من الاستعانة لتخفيف ما في هذه المقالة بها . فمنها كتابنا « في العلم الإلهى » وكتابنا « في الطب الروحاني »